الشيخ حسين بن الحسن الريار بكري

374

تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس

الشمس مشرقة وجملة أماكن المدينة بأنوارها محدقة ودام على ذلك لهبها حتى تأثر له النيران وصار نور الشمس على الأرض يعتريه صفرة ولونها من تصاعد الالتهاب يعتريه حمرة والقمر كأنه قد كسف من اضمحلال نوره * وأخبرني جمع ممن توجه للزيارة على طريق الشام انهم شاهدوا ضوأها على ثلاث مراحل للمجدّ وآخرون انهم شاهدوها من جبال سارية ونقل أبو شامة عن مشاهدة كتاب الشريف سنان قاضى المدينة انّ هذه النار رؤيت من مكة ومن الفلاة جميعها ورآها أهل الينبع قال أبو شامة وأخبرني بعض من أثق به ممن شاهدها بالمدينة انه بلغه انه كتب بتيماء على ضوئها الكتب * وقال المجد الشمس والقمر في المدّة التي ظهرت فيها ما يطلعان الا كاسفين * قال أبو شامة وظهر عندنا بدمشق أثر ذلك الكسوف من ضعف النور على الحيطان وكنا حيارى في سبب ذلك إلى أن بلغنا الخبر عن هذه النار ويقول في آخر كلامه وعجائب هذه النار وعظمها يكل عن وصفها اللسان والأقلام وتجل أن يحيط بشرحها البيان والكلام فظهر بظهورها معجزة للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم لوقوع ما أخبر به وهي هذه النار إذ لم يظهر من زمنه قبلها ولا بعدها نار مثلها * قال القسطلاني ان جاء من أخبر برؤيتها ببصرى فلا كلام والا فيحتمل أن يكون ذكر ذلك في الحديث على وجه المبالغة في ظهورها أو أنها بحيث ترى وقد جاء من أخبر انه أبصرها بتيماء وبصرى منها مثل ما هي من المدينة في البعد * وعن القرطبي انه بلغه انها رؤيت من جبال بصرى * قال الشيخ عماد الدين بن كثير اخبرني قاضى القضاة صدر الدين الحنفي قال اخبرني والدي الشيخ صفى الدين مدرس مدرسة بصرى انه أخبره غير واحد من الاعراب صبيحة الليلة التي ظهرت فيها هذه النار ممن كان يحاضره ببلد بصرى انهم رأوا صفحات أعناق إبلهم في ضوء تلك النار فقد تحقق بذلك انها الموعود بها * قال المؤرّخون وكان ظهور هذه النار من صدر واد يقال له وادى أخيليين * وقال البدر بن فرحون انها سالت في وادى أخيليين وموضعها شرقي المدينة على طريق السوارقية مسيرة من الصبح إلى الظهر * وقال القسطلاني ظهرت في جهة المشرق على مرحلة متوسطة من المدينة في موضع يقال له قاع الهيلا على قرب من مساكن قريظة شرقي قباء فهي بين قريظة وموضع يقال له أحيليين ثم عرجت واستقبلت الشأم سائلة إلى أن وصلت إلى موضع يقال له قرين الأرنب بقرب من أحد فوقفت وانطفأت وانصرفت * قال المؤرّخون واستمرّت هذه النار مدّة ظهورها تأكل الأحجار والجبال وتسيل سيلا ذريعا في واد يكون طوله مقدار أربعة فراسخ وعرضه أربعة أميال وعمقه قامة ونصف وهي تجرى على وجه الأرض والصخر يذوب حتى يبقى مثل الانك فإذا خمد اسودّ بعد ان كان أحمر ولم يزل يجتمع من هذه الحجارة المذابة في آخر الوادي عند منتهى الحرّة حتى قطعت في وسط وادى الشظاة إلى جهة جبل وعر فسدّت الوادي المذكور بسد عظيم من الحجر المسبوك بالنار ولا كسدّ ذي القرنين يعجز عن وصفه الواصف ولا مسلك لانسان فيه ولا دابة وهذا من فوائد ارسال هذه النار فان تلك الجهة كثيرا ما يطرق منها المفسدون لكثرة الاعراب بها فسار السلوك إلى المدينة متعسرا عليهم جدّا * قال القسطلاني أخبرني جمع ممن أركن إلى قولهم انّ النار تركت على الأرض من الحجر ارتفاع رمح طويل على الأرض الأصلية * قال المؤرّخون انقطع وادى الشظاة بسبب ذلك وصار السيل إذا سال ينحبس خلف السدّ المذكور حتى يصير بحرا مد البصر عرضا وطولا فانخرق من تحته في سنة تسعين وستمائة لتكاثر الماء من خلفه فجرى في الوادي المذكور سنتين كاملتين أما السنة الأولى فكانت ملئ ما بين جانبي الوادي وأما الثانية فدون ذلك ثم انخرق مرّة أخرى في العشر الأول بعد السبعمائة فجرى سنة كاملة أو أزيد ثم انخرق في سنة أربع وثلاثين وسبعمائة وكان ذلك بعد تواتر أمطار عظيمة في الحجاز فكثر الماء وعلا